خيانة الشغف: حين يُغتال "شرف الإتقان" تحت وطأة الركض وراء
الاستثناء
✍️بقلم: د. شهاب الريامي
عقدة "تغيير العالم".. والفرار من كدح الواقع
في
زماننا هذا، تسللت إلى عقول الشباب والناشئة نغمة خفية، ولكنها بالغة القسوة؛ نغمة
توحي للمرء بأن حياته لا تستحق أن تُعاش إن لم يكن "رقماً استثنائياً"
يهز أركان الكوكب، أو عبقرياً يخترع في مقتبل شبابه تطبيقاً يغير مسار البشرية.
لقد أضحت منصات الضجيج تُلقي على كواهل النفوس عبئاً لا تُطيقه، حتى بات العمل
الدؤوب الهادئ، والخطو المتزن في دروب الحياة، يُوصمان بالدونية والركود!
هذا
الهوس المحموم بالاستثناء لم يولد عباقرة بالضرورة، بل أورث أجيالاً من المتفرجين
المشلولين عن الحركة. كم من موهبة حقيقية ماتت في مهدها لأن صاحبها احتقر
"الخطوة الأولى البسيطة"، وظل جالساً في شرفة الانتظار يرتقب
"الفكرة الخارقة" التي ستنقله بلمحة بصر إلى مصاف العظماء!
التفكيك النفسي والوجداني: كيف يسرق منا "وهم العظمة" بركة
السعي؟
شلل
التحليل (Analysis Paralysis) واحتقار البدايات: حين تُبرمج النفس على أن
الهدف الوحيد للسعي هو "إبهار العالم"، تستثقل كل خطوة لا تصحبها
الأضواء. تجد الشاب يتردد في تعلم صنعة، أو كتابة سطر، أو بدء مشروع خدمي بسيط، لا
لعجزٍ فيه، بل لأن تلك البدايات المتواضعة تبدو في عينيه شاحبة أمام قصص الخوارق
المعلّبة. الاستثناء هنا لم يكن محفزاً، بل تحول إلى حبل مشنقة يخنق المبادرة.
اغتيال "المتعة الصامتة" في كنف الإتقان اليومي:
الحضارات لم تبنها الومضات البراقة وحدها، بل قامت على أكتاف ملايين الصامتين
الذين أخلصوا في تفاصيلهم الصغيرة؛ المعلم الذي يوقد شمعة الفهم في عقل طفل دون
كاميرا، الطبيب الذي يرعى مريضاً في عتمة الليل، الحرفي الذي يصقل خشبته بشغف لا
يراه سواه. إن تسليط الضوء فقط على "النجاح الصارخ" سلب من هؤلاء سكينة
الرضا، وجعل الإنسان يشعر بالذنب لمجرد أنه يعيش حياة طبيعية نافعة.
الهروب من مكابدة الطريق إلى برج التمني: البحث عن
"الشغف الخارق" غالباً ما يكون قناعاً أنيقاً للفرار من مشقة الصبر
والجلد. الشغف الحقيقي ليس كنزاً مدفوناً تعثر عليه فجأة فتنتهي عثراتك، بل هو
ثمرة ناضجة تولد من رحم المكابدة؛ إنه حبك للعمل الذي ينمو بعد أن تتقنه وتغوص في
كوامنه، لا قبل أن تضع يدك في طينه.
منهجية الارتقاء: فقه "فسيلة اليد" واسترداد شرف العادي
إن
الميزان الرباني والنبوي لم يُعلّق نجاة الإنسان وقيمته بمدى الضجيج الذي يُحدثه
في واقعه، بل علّقها بـ "صدق الاتصال ونقاء النية وجودة الصنعة".
تأمل
في التوجيه النبوي الفارق حين قال ﷺ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ
أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا
فَلْيَفْعَلْ».
ما قيمة غرس فسيلة في لحظة تنهار فيها أركان الكون؟
إنها فلسفة التحرر من صنم "النتائج الكبرى والبطولات المصنوعة"؛ إن
المطلوب منك ليس إنقاذ الكوكب، بل أن تكون في موضعك نبيلاً، متقناً، صادقاً،
ووفياً لما في يدك حتى الرمق الأخير.
لكي تسترد بوصلتك وتنجو من خيانة الشغف المزعوم:
اصنع لنفسك ميزاناً ذاتياً: كُف عن قياس
حياتك بمقاييس المسارح المفتوحة للآخرين. اسأل نفسك كل مساء: هل كنت اليوم أميناً
في مساحتي؟ هل أضفت نفعاً حقيقياً لمن حولي؟ إذا كانت إجابتك نعم، فأنت في عين
الحقيقة تصنع أعظم استثناء.
اعشق التفاصيل الصغيرة: المهارة لا تسكن في العناوين
العريضة، بل في الدقائق التي يأنف منها العاجلون. انغمس في مهنتك ودراستك كمن يعبد
ربه بالإتقان؛ فالنور يولد من تكرار الصبر، لا من استعجال القفزات.
تحرر من رهبة أن تكون "عادياً": أن
تعيش حياة متزنة، تحب فيها أهلك، وتؤدي عملك بضمير حي، وتنام بقلب سليم من الغل
والحسد، ليس عجزاً ولا نقصاً. إن هذا "العادي النقي" هو في زمن التلوث
النفسي والاضطراب أندر عملة يملكها الإنسان.
✍️ شهاب بن أحمد
الريامي | أنت تصنع فارقاً #بوصلة_الوعي #شهاب_الريامي #إدارة_التغيير

تعليقات
إرسال تعليق