في إحدى حواراتي العميقة مع صديقٍ مقرب أعتز بحكمته وتجربته، ساق لي قصةً تبدو في ظاهرها عابرة، لكنها تحمل في طياتها درساً قاسياً عن طبيعة النفس البشرية، وكيف نغتال أحياناً أجمل ما في حياتنا بأيدينا ونحن نظن أننا نُحسن صنعاً.
قال لي بصوتٍ يملؤه الشجن: "كنا ثلة من الأصدقاء، نجتمع أسبوعياً في لقاءات دورية تغمرها الألفة وتتسم بالبساطة. دعني أطلق عليهم أسماء مستعارة حفظاً لخصوصية تلك الأيام الجميلة؛ ولنسمهم طارق، وسعيد، وماجد. كانت مجالسنا في بداياتها تقتصر على أكواب من الشاي والقهوة، لكنها كانت مليئة بنبض الحياة، والأحاديث العميقة، والضحكات الصافية التي تغسل أرواحنا من عناء الأيام.
استمر هذا الدفء حتى قرر 'طارق' في إحدى الليالي، وبدافع الكرم المحض وحب العطاء، أن يضيف إلى مائدته البسيطة طبقاً فاخراً من (الكنافة). كان طعمها لذيذاً، وأثنينا جميعاً على كرمه، لكننا لم ندرك في تلك اللحظة أن هذا الطبق كان يحمل معه شرارة المنافسة التي ستتسلل إلى أرواحنا.
في الأسبوع التالي، شعر 'سعيد' أن عليه ديناً نفسياً؛ فكيف يقدم الشاي وحده بعد وليمة الكنافة؟ ففاجأنا بمائدة عامرة بأصناف الحلويات. وهنا، وبلا أي اتفاق معلن، انزلقنا جميعاً في حلبة صراع صامتة. تبخرت عفويتنا، وحل محلها قلق الاستضافة. أصبح كل واحد منا يحمل هماً ثقيلاً قبل موعده بأيام: ماذا سأقدم؟ وكيف سأتفوق على من سبقني؟
شيئاً فشيئاً، بدأت الأعذار تتوالى للهروب من هذا العبء. غاب 'ماجد' بحجة الانشغال، واعتذر 'طارق' لظروف طارئة. بهتت تلك الروح الوثابة، وتساقط الحضور تباعاً حتى انفرط عقد لقاءاتنا تماماً، وأصبحت تلك الأمسيات الدافئة مجرد أطلال تثير فينا الحسرة."
حين انتهى صديقي من قصته، أدركت أن هذا الإخفاق المؤلم في الحفاظ على تلك المساحة الدافئة لم يكن نابعاً من ضعفٍ في المحبة، بل هو درس بليغ في سيكولوجية النفس الإنسانية. النفس يا أحبتي تميل بالفطرة إلى الخفة واليسر، وتنفر من القيود والأعباء. حين حوّل أصدقاء صاحبي كرم اللقاء إلى عبء ثقيل، سارعت عقولهم لاختلاق الحجج كي تهرب من هذا الضغط.
لو تأملنا مسارات حياتنا، لوجدنا أننا نمارس "عقدة الكنافة" في الكثير من تفاصيلنا. نحن نخفق في رحلة التعافي الجسدي لأننا نجلد ذواتنا في الأيام الأولى للنادي الرياضي بأثقال تفوق احتمالنا فننسحب منهكين. ونفشل في الالتزام بأنظمتنا الغذائية لأننا نفرض على أرواحنا حرماناً قاسياً بدل أن نتدرج معها برفق. بل إننا نغلق أبواب مجالسنا الأنيقة ونحرم أنفسنا من صلة الرحم، لأننا ربطنا استقبال الضيف بموائد باهظة تستنزف طاقاتنا.
الفشل في الاستمرار ليس نهاية المطاف، بل هو مرآة تعكس لنا ضرورة احتضان ذواتنا وفهم طبيعتها. القيادة الحقيقية للنفس لا تعني دفعها نحو قوالب الفخامة والمثالية المرهقة، بل تكمن في تبسيط الدروب لتسهيل الاستمرارية.
لنحذر من الإضافات التي تبدو بريئة، لكنها في حقيقتها تسرق منا جوهر الأشياء. الجمال الحقيقي يكمن في بساطة الحضور، ودفء التواصل، وراحة الأرواح. تذكروا دائماً في علاقاتكم، وفي سعيكم لبناء عاداتكم: الفخامة التي تُثقل الكاهل، هي القاتل الصامت لأجمل بداياتنا.
د. شهاب الريامي | 🧭 بوصلة الوعي
تعليقات
إرسال تعليق