سراب "الشراع المكتمل".. متى نبحر بطاقاتنا في أمواج الحياة؟
في إحدى زياراتي لمدينة "صور" العريقة، حيث يعانق التاريخ أمواج البحر، كنت أجلس على الشاطئ برفقة مجموعة من الشباب العُماني الطموح. كان من بينهم شاب متوقد الذكاء، يملك فكرة مشروع ريادي مذهلة. سألته بحماس: "متى سنرى هذا المشروع النور؟". تنهد الشاب ونظر إلى المراكب الراسية وقال: "ليس الآن يا دكتور.. أنتظر حتى أجمع رأس مال ضخم، وأكتسب خبرة إدارية أكبر، وتكون الظروف الاقتصادية مثالية بنسبة مائة بالمائة. لا أريد أن أبدأ قاربي بشراع صغير!".
في تلك اللحظة، التفت إلينا "أستاذ" قديم من صناع السفن العمانيين كان يجلس بقربنا يستمع لحديثنا، ووجه كلامه للشاب بلهجة أبوية حكيمة: "يا ولدي، البحر ما يحترم اللي يوقف على السيف (الشاطئ) ينتظر سفينة كاملة.. البحر يعلمك السباحة والقيادة يوم تنزل فيه بلوح صغير وتكافح الموج. الشراع يكبر مع الريح، ما يكبر على اليابسة!".
هذه العبارة العميقة من ذاك الرجل البسيط، لامست وتراً حساساً في داخلي، ولخصت أزمة يعيشها الكثير من شبابنا المبدع اليوم، وهي ما أسميه "سَراب الشراع المكتمل".
ونحن نحتفي في السادس والعشرين من أكتوبر بـ يوم الشباب العماني، تتجه الأنظار نحو هذه الفئة التي تمثل النبض المتسارع لعروق هذا الوطن. لكننا نلاحظ أن الكثير من الطاقات الشابة تقع في أسر هذا السراب الخادع؛ يعتقد الشاب أنه لا يحق له أن يمارس القيادة، أو يطلق مبادرته، أو يبدأ مشروعه، إلا إذا اكتملت كل موارده وتلاشت كل احتمالات الفشل. فيقضي أجمل سنوات طاقته وعنفوانه "منتظراً" على شاطئ الحياة!
البوصلة العلمية والنفسية: هذا "الانتظار" ليس مجرد حذر محمود، بل هو فخ سلوكي مدروس. ففي دراسات منصة "هارفارد بزنس ريفيو" (HBR)، وهي المرجع العالمي الأبرز في الفكر الإداري والقيادي والتابع لجامعة هارفارد العريقة، نجد تحذيراً صريحاً من أن انتظار اللحظة المثالية يقتل الابتكار الإداري واستراتيجيات القيادة. الإدارة الحديثة تدعو لتبني "النماذج الأولية" والبدء بالمتاح. ومن زاوية أعمق، تؤكد الأبحاث في "APA PsycNet"، المستودع الرقمي الأكبر والأقوى عالمياً لجمعية علم النفس الأمريكية، أن هوس "الكمالية" والمثالية المفرطة ليس دليلاً على التفوق، بل هو حيلة دفاعية يبتكرها العقل الباطن لتجنب ألم الفشل أو النقد. نحن نختبئ خلف أعذار نقص التمويل أو غياب اللقب الوظيفي لأننا نخشى أن نخطئ أمام الناس.
البوصلة القرآنية: وتأتي البوصلة القرآنية لتنسف هذا السراب بكلمة واحدة تصنع عقلية المبادرة، حين ينادينا الخالق عز وجل: {وَسَارِعُوا}.. إنه نداء رباني يرسخ أن التأجيل بحجة اكتمال الظروف هو حرمان من بركة السعي، وأن الإقدام بشجاعة هو أولى مراتب اليقين.
رسالتي لكل شاب وشابة: لا تنتظروا اللقب الوظيفي لتمارسوا القيادة في مؤسساتكم، ولا تنتظروا رأس المال الضخم لتبدأوا مشاريعكم. الوطن لا يبنى بمن ينتظرون الظروف المثالية، بل بمن يصنعون من أنصاف الفرص نجاحات كاملة.
احذروا من سراب المثالية الذي يسرق منكم متعة البدايات. الجمال الحقيقي يكمن في الإقدام بشجاعة، والتعلم من الموج، وترقيع الشراع وسط الرحلة.
تذكروا دائماً: القارب الصغير الذي يصارع الأمواج ويتقدم، خيرٌ من سفينة عملاقة تأكلها أخشابها وهي تنتظر الريح المثالية على الشاطئ.
د. شهاب الريامي | 🧭 بوصلة الوعي
✅ ترياق التغيير (للمتابعة الذاتية):
❖ أطلق "نسختك الأولى": هل لديك فكرة أو مبادرة تؤجلها بحجة "التحسين"؟ حدد هذا الأسبوع موعداً لإطلاقها بنسختها البسيطة والمتاحة. ابدأ صغيراً وتعلم في الميدان.
❖ مارس القيادة بلا منصب: لا تنتظر ترقية لتكون مؤثراً. بادر اليوم بحل مشكلة في بيئة عملك أو جامعتك دون أن يُطلب منك ذلك.. القيادة فعل وليست لقباً.
❖ احتضن "الفشل الصحي": غيّر نظرتك للتعثر. عندما تخفق في خطوة هذا الأسبوع، ابتسم وقل لنفسك: "لقد اكتشفت للتو طريقة لا تعمل.. أنا الآن أقرب للنجاح".
❖ ❖ ❖
تعليقات
إرسال تعليق