وهم الجبروت.. كيف يتبخر طغيان البشر أمام صمت التاريخ؟
في ليلة سادها صمت مهيب قبل معركة بدر، وقف النبي الكريم ﷺ يؤشر بيده الشريفة إلى مصارع الطغاة، قائلاً بيقين النبوة: "هذا مصرع فلان غداً، وهذا مصرع فلان". حدد مواقع سقوط رؤوس الكبرياء؛ أبو جهل صخرة العناد، أمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة الذي أخذته العزة بالإثم رغم معرفته بصدق النور حين سمع سورة "فصلت" وفزع من صاعقة كصاعقة عاد وثمود. في اليوم التالي، ابتلعت الأرض طغيانهم، وانتهت أسطورة الجبروت على يد فتية آمنوا بربهم، ليكون مصرع الباطل آية خالدة تتلوها الأجيال.
حين نستقرئ التاريخ بعدسات الوعي، نكتشف أن البشرية تعاني من مرض نفسي وإداري عضال، أسميه "وهم الجبروت". إنه ذلك الانحياز الأعمى الذي يصيب الإنسان حين يمتلك السلطة، أو المال، أو القوة، فيظن أنه مخلد، وأن الأرض خضعت لغروره. نرى ذلك في فرعون الذي ادعى الألوهية فابتلعه صمت البحر، وفي النمرود الذي أرعبه طنين بعوضة فأهلكته، وفي قارون الذي ظن أن ماله من صُنع ذكائه فخُسف به وبداره، وفي أقوام عاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد فأصبحوا كالصريم، لا تُسمع لهم إلا همساً.
هذه النهايات المفجعة ليست مجرد قصص تُروى للتسلية، بل هي "صدمة وعي" مقصودة، وزلزال يضرب أركان النفس البشرية ليفيقها من غفلتها. سيكولوجية الطغيان تبدأ دائماً بخطوة صغيرة؛ تبدأ بتبرير الظلم، والاستخفاف بالآخرين، وإفساد الحرث والنسل تحت مسميات واهية. هي طرائق إبليسية تستحوذ على العقل، وتعمي البصيرة عن إدراك حقيقة أن الله لا يغفل عن ظالم، وأنه يملي له حتى يرى شقوته وهلاكه في دنياه قبل آخرته.
لو أسقطنا هذا "الوهم" على حياتنا المعاصرة، لوجدنا أننا قد نمارس طغياناً مصغراً دون أن نشعر. المدير الذي يبطش بموظفيه مستغلاً حاجتهم، والزوج الذي يسحق كرامة أهل بيته، وحتى الإنسان الذي يقهر حيواناً أعجم لا حيلة له؛ جميعهم يقعون في شَرَك "الجبروت". لقد نسي هؤلاء أن الغاية العظمى من الوجود الإنساني هي الإعمار والرحمة والسلام، وأن أكرمنا عند الله أتقانا.
القيادة الحقيقية للذات وللآخرين لا
تُبنى على كسر الإرادات وفرض الهيمنة، بل على التواضع ولين الجانب وإدراك هشاشة
هذا الوجود. لا توجد صدمة أبلغ من كلمات الحسن البصري حين اختزل حقيقة الإنسان
قائلاً: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك".
احذروا من سكرة القوة، ولا تغتروا
بلحظات التمكين الزائفة. الجمال الحقيقي للروح يكمن في بسط العدل ونشر الرحمة حين
تكون قادراً على البطش. تذكروا دائماً: كل كبرياءٍ لا ينحني للحق، تكسره سنن
التاريخ، وتطويه الأرض في صفحات النسيان.
د. شهاب الريامي | 🧭 بوصلة الوعي
✅ ترياق
التغيير (للمتابعة الذاتية):
[ ] مراجعة سلطتك: تفقد اليوم
دائرة نفوذك (في بيتك أو عملك). هل تستخدم سلطتك لتسهيل حياة من تحت يدك، أم أنك
تمارس "طغياناً خفياً" بدافع التحكم؟ اعتذر فوراً لمن قسوت عليه.
[ ] التأمل في مصارع الطغاة:
خصص وقتاً لقراءة قصة من التاريخ (كقصة أصحاب الأخدود أو فرعون) ليس كأحداث ماضية،
بل كدراسة حالة نفسية تحذرك من الانزلاق في فخ الغرور.
[ ] تفعيل بوصلة الرحمة: ابحث
اليوم عن كائن ضعيف (إنسان محتاج، عامل بسيط، أو حتى طائر أو قط في الشارع) وقدم
له معروفاً خالصاً. الرحمة هي الترياق الأقوى لعلاج تضخم "الأنا".

تعليقات
إرسال تعليق