معضلة "الاستطاعة الدائمة".. متى يحق للوتد أن يستريح؟

معضلة "الاستطاعة الدائمة".. متى يحق للوتد أن يستريح؟

في احتفالية عائلية دافئة، كنا نلتف حول إحدى قريباتي التي تمثل نموذجاً مشرفاً للمرأة العمانية المعاصرة. هي أم حنون، وموظفة قيادية، وناشطة مجتمعية لا تهدأ. كانت عبارات الإشادة تنهال عليها من كل صوب: "ما شاء الله، أنتِ وتد الخيمة"، "أنتِ بـ 100 رجل"، "لا نعرف كيف توفقين بين كل هذا!".

كانت تبتسم بلطف وترد بكلمات الشكر، لكن حين انفض المجلس وجلسنا للحظة صفاء عابرة، التفتت إليّ وعيناها تفيضان بتعبٍ صامت، وقالت بصوت خافت: "يا دكتور، المشكلة في هذا المديح المستمر أنه يصادر حقي في الضعف. الجميع يمدح قدرتي الهائلة على التحمل، حتى بتُّ أخجل من أن أقول: أنا متعبة، أو لا أستطيع.. أشعر أن انهياري ممنوع!".

هذه العبارة القصيرة، التي تشبه تنهيدة مكتومة، تضع أيدينا على جرح خفي تعاني منه الكثير من النساء الناجحات، وهو ما أسميه "معضلة الاستطاعة الدائمة". نحن في مجتمعاتنا - وبدافع الحب والتقدير- نقع في فخ تمجيد "الصلابة المفرطة". نرفع سقف توقعاتنا من المرأة، ونجعل من تضحياتها المستمرة مقياساً لنجاحها، حتى تبرمج نفسها لا شعورياً على أنها آلة للعطاء لا يحق لها أن تفرغ شحنتها أو تطلب النجدة.

اليوم، ونحن نحتفي بـ (يوم المرأة العمانية) في السابع عشر من أكتوبر، تمتلئ المنصات بصور التكريم وباقات الورد والإشادة بإنجازاتها في بناء عُمان جنباً إلى جنب مع أخيها الرجل. هذا الاحتفاء مستحق وجميل، لكنه غير مكتمل إذا لم يتجاوز المظاهر الاحتفالية ليلامس احتياجاتها النفسية والروحية.

سيكولوجية الإنسان تخبرنا أن الضغط المستمر ليكون المرء "مثالياً" و"قادراً دائماً" يؤدي إلى احتراق نفسي صامت. المرأة العمانية، التي أثبتت جدارتها في كل الميادين مع تمسكها بأصالتها وقيمها، ليست بطلة خارقة (Superwoman) منزوعة المشاعر؛ إنها إنسانة تتألم، وتُرهق، وتحتاج إلى مساحة آمنة تخلع فيها دروع القوة وتستند إلى كتفٍ يطمئنها.

لو أسقطنا هذا على فنون الإدارة والقيادة الذاتية، لوجدنا أن أسوأ ما يمكن أن تفعله بـ "الموظف الكفء" هو أن ترمي عليه كل الأثقال بحجة أنه "يستطيع". وكذلك في الأسرة، أسوأ ما نفعله بالأم أو الزوجة أو الأخت هو أن نعتمد عليها كلياً حتى ننسى أنها تحتاج إلى من يعتني بها.

الهدية الأجمل التي يمكن أن نقدمها للمرأة في يومها، وفي كل يوم، ليست مجرد درع تذكاري أو قصيدة مدح، بل هي "منحها الإذن الإنساني بالتعب". أن نقول لها بصدق: "نحن نقدر عطاءك، لكننا نحبك لذاتك، لا لما تفعلينه من أجلنا فقط.. يحق لكِ أن تستريحي".

احذروا من المديح الذي يتحول إلى قيد يخنق الأرواح. الجمال الحقيقي لا يكمن في العطاء الذي يستنزف الروح حتى آخر قطرة، بل في الدعم المتبادل الذي يبقي منابع الحياة جارية. تذكروا دائماً: الوتد الذي يحمل الخيمة بكل ثبات، يحتاج إلى تربة رحيمة تحتضنه لئلا ينكسر.

د. شهاب الريامي | 🧭 بوصلة الوعي

✅ ترياق التغيير (للمتابعة الذاتية):

[  ] للمرأة (تفويض الواجبات): تخلصي اليوم من "معضلة الاستطاعة الدائمة". اختاري مهمة واحدة كنتِ تصرين على إنجازها بنفسك، وفوّضيها لغيرك، واسمحي لنفسك بالتقاط أنفاسك دون شعور بالذنب.

[  ] للرجل (الدعم الاستباقي): لا تنتظر حتى تشتكي زوجتك، ابنتك، أو زميلتك من الإرهاق لكي تساعدها. بادر اليوم برفع حملٍ بسيط عنها وقل لها: "هذا دوري اليوم، استريحي أنتِ".

[  ] تغيير لغة التقدير: استبدلوا عبارات المديح التي تضغط على الأعصاب مثل (أنتِ لا يعجزك شيء) بعبارات تمنح الأمان مثل (جهدك عظيم.. ونحن هنا لنسندك متى ما احتجتِ).

تعليقات