فخ الإغراق الرقمي.. كيف ندفن مشاعرنا تحت ركام رسائلنا؟



فخ الإغراق الرقمي.. كيف ندفن مشاعرنا تحت ركام رسائلنا؟

في أروقة العمل، التقيت مؤخراً بزميل عزيز يُشهد له بطيبة القلب وحب الخير للجميع. هذا الزميل عُرف بيننا بأنه "وكالة أنباء متحركة"؛ فمنذ خيوط الفجر الأولى، يبدأ في إمطار هواتفنا عبر (الواتساب) بعشرات الرسائل: أدعية صباحية، مقاطع ومواعظ، أخبار عاجلة، ونصائح طبية، بدافع الخشية من أن يفوته أجر نشر معلومة، أو يفوتنا نحن قراءتها.

ذات صباح، دخل المكتب وملامح العتب والضيق تكسو وجهه. وحين بادرته بالسؤال عن حاله، تنهد بحرقة وقال: "يا دكتور، الناس تغيرت وماتت فيها المشاعر! رُزقت بالأمس بمولود طال انتظاره، ونشرت الخبر للجميع، لكن تخيل أن قلة قليلة جداً هي التي باركت لي! أين الأصدقاء؟ أين الزملاء؟".

أخرجت هاتفي فوراً لأتدارك تقصيري، وفتحت محادثته لأجد المفارقة الصادمة. لقد أرسل بالفعل خبر قدوم مولوده، لكن هذا الخبر السعيد كان الرسالة رقم (14) في ذلك الصباح! لقد جاء مدفوناً بين مقطع فيديو طويل عن فوائد شرب الكركم، ورسالة محولة عن كيفية زراعة الطماطم، وصور متعددة لأكواب القهوة. لقد ابتلع "الضجيج" خبره الأجمل.

هذا الموقف العابر يضع أيدينا على جرح صامت في تواصلنا الحديث، وهو ما يمكن أن نسميه "فخ الإغراق المعرفي". نحن نعيش في زمن يعتقد فيه البعض أن غزارة الإرسال هي دليل على قوة الحضور والتواصل. يمسكون بهواتفهم طوال اليوم، يُمررون كل ما يصلهم دون أن يعيشوا اللحظة، ودون أن يتلمسوا أحوال من يرسلون إليهم أو يراعوا أوقاتهم.

ومع الوقت، وبسبب هذه الكمية الهائلة والمبتذلة من المنشورات، يضطر العقل البشري للطرف المتلقي - كآلية دفاعية طبيعية- إلى تفعيل خاصية "التجاهل الآلي" (Mute) أو التخطي السريع للحالات (Skip)، حمايةً لنفسه من التشتت.

وهنا تقع المفارقة المؤلمة: حين يمر هذا الشخص "المُغرِق" بحدث حقيقي يمسه في صميم قلبه (فرح يود مشاركته، أو ترح يحتاج فيه للمواساة)، يقوم بتغليف هذه اللحظة الإنسانية الثمينة بأطنان من المنشورات المستهلكة، ظناً منه أن الآخرين يملكون الوقت والشغف لفرز كل ما يرسله. وحين لا يجد التفاعل المرجو، يقع في فخ الحزن، ويبدأ في إساءة الظن بالناس واتهامهم بالجفاء، متناسياً أنه هو من أفقد صوته قيمته بكثرة صراخه الرقمي!

لو أسقطنا هذا المشهد على علم الإدارة وفن القيادة، لوجدنا أن القائد الذي يصنف كل رسالة بريد إلكتروني على أنها (عاجلة ومهمة جداً)، ينتهي به المطاف إلى أن لا أحد يهتم برسائله الحقيقية عند الأزمات. القيمة دائماً تكمن في "الندرة والانتقاء"، لا في "الوفرة والإغراق".

التواصل الإنساني ليس عملية تفريغ شحنات معلوماتية، بل هو جسر من الإحساس المتبادل. إذا أردتم لرسائلكم أن تلامس القلوب، ولأخباركم أن تجد الصدى في أفراحكم وأتراحكم، فلا تصموا آذان محبيكم بالضجيج اليومي. تذكروا دائماً: الكلمة الثمينة التي تُدفن في ركام الثرثرة، تفقد بريقها قبل أن تصل.

د. شهاب الريامي | 🧭 بوصلة الوعي

ترياق التغيير (للمتابعة الذاتية):

  • [ ] فلتر الإرسال (قاعدة الـ 3 ثوانٍ): قبل تحويل أي رسالة، توقف واسأل نفسك: "هل تضيف هذه الرسالة قيمة حقيقية لي ولمن أرسلها إليه؟" إذا كان الجواب لا، فاحذفها فوراً.

  • [ ] عش اللحظة بدل توثيقها: جرب اليوم أن تستمتع بفنجان قهوتك أو بجمال الصباح دون أن تلتقط صورة وتشاركها كـ (حالة). استرد متعة الشعور باللحظة لنفسك أولاً.

  • [ ] افصل الألماس عن الورق: عندما يكون لديك خبر شخصي ومهم (تهنئة، شكر، عتب، أو فرح)، أرسله في رسالة نصية منفصلة ومخصصة بالاسم، ولا تخلطه أبداً مع الرسائل المحولة أو الصباحيات المكررة.

تعليقات