وهم الحذاء اللامع.. كيف نسرق راحة أرواحنا لنرضي أعين العابرين؟
في مسيرٍ جبلي بأحد أوديتنا العُمانية الجميلة، رافقت مجموعة من الشباب المليء بالطاقة والشغف. كان من بينهم شاب في مقتبل العمر، شد انتباهي منذ اللحظة الأولى؛ فقد ارتدى حذاءً رياضياً من ماركة عالمية باهظة الثمن، لامعاً ومصمماً للاستعراض في المقاهي الأنيقة، لا لتحمل قسوة الصخور ووعورة الأودية.
في الساعات الأولى، كان الشاب يسبقنا بخطوات مختالة، حريصاً على أن يظهر حذاؤه في كل صورة نلتقطها. لكن، مع اشتداد المسير ووعورة الطريق، بدأت خطواته تتثاقل. لاحظت أنه كان يضغط على شفتيه ويكتم ألماً واضحاً. اقتربت منه وسألته بهدوء إن كان بخير، فاعترف لي بصوت خافت يعتصره الخجل: "الحذاء ضيق جداً يا دكتور، وقاسٍ على قدمي.. لقد أدمى أصابعي، لكنني لم أرد أن أفسد مظهري أمام البقية".
أنهى الشاب رحلته متأخراً، منهكاً، ولم يستمتع بجمال الطبيعة ولا بعبق المكان؛ لأن كل تركيزه كان منصباً على الألم الذي يخفيه داخل حذائه الأنيق.
هذا الموقف البسيط، يا أحبتي، هو في حقيقته مرآة تعكس أزمة أعمق نعيشها اليوم في مجتمعاتنا، وهي ما أسميه "وهم الحذاء اللامع". نحن نرى اليوم شباباً وفتيات ينساقون خلف ظواهر مستوردة -كالوشوم الدخيلة، أو المبالغة المهلكة في عمليات التجميل، أو الاستدانة لاقتناء مظاهر فارهة- لا لشيء إلا ليحظوا بقبولٍ مجتمعي زائف في عيون الآخرين.
السؤال الجوهري هنا ليس "لماذا يفعلون ذلك؟"، بل "ما هو حجم الألم الداخلي الذي يكتمونه ليناسبوا قوالب لم تُصنع لهم؟". سيكولوجية الإنسان تدفعه للبحث عن الانتماء، وحين يغيب الوعي، يقع في هذا الوهم ويعتقد أن الانتماء يُشترى بتغيير الهوية أو تشويه الجسد، متناسياً أن التنازل عن الأصالة هو أولى خطوات الاغتراب عن الذات.
لو أسقطنا هذا المشهد على عالم الإدارة والقيادة، لوجدنا أن أسوأ القادة هم أولئك الذين يرتدون "شخصيات مستعارة". الموظف الذي يقلد أسلوب مديره متخلياً عن بصمته الخاصة، ينجح ربما في لفت الانتباه مؤقتاً، لكنه يستنزف طاقته الإبداعية ويحترق داخلياً، لأنه يسير في طريق النجاح بحذاءٍ لا يناسب مقاس روحه.
التربية والقيادة الفاعلة لا تعني أن نهاجم من انزلق في تيار التقليد، بل أن نقترب منه بحكمة، كما نقترب من متعبٍ في طريق جبلي، ونعلمه أن "الأصالة" هي أعلى درجات الفخامة. لا شيء يضاهي متعة أن تسير في دروب الحياة وأنت خفيف، متسق مع قيمك، متصالح مع طبيعتك، ولا تضطر لكتم ألمك فقط لتبدو مثالياً في صورة جماعية عابرة.
احذروا من المظاهر التي تسرق عافية أرواحكم. الجمال الحقيقي ينبع من الداخل، من هوية راسخة وثقة لا تهتز. تذكروا دائماً: المظهر الذي يُدمي حقيقتك ليرضي غيرك، هو القاتل الصامت لأجمل ما فيك.
د. شهاب الريامي | 🧭 بوصلة الوعي
✅ ترياق التغيير (للمتابعة الذاتية):
[ ] اختبار الدوافع: قبل تبني أي عادة جديدة، أو شراء غرض مكلف، أو مجاراة ظاهرة مجتمعية، اسأل نفسك بصدق: "هل أفعل هذا لراحتي أم ليراه الناس؟".
[ ] صم عن المقارنات: خصص يوماً في الأسبوع تبتعد فيه عن تصفح وسائل التواصل الاجتماعي؛ لتخفف من ضغط "النماذج المعلبة" وتستعيد اتصالك بواقعك.
[ ] احتضن اختلافك: مارس تقبل عيوبك البسيطة أو صفاتك الخاصة، واجعلها مصدر قوة وتميز في عملك ومحيطك، بدلاً من محاولة طمسها بـ "وشم" أو "قناع" مستعار يرهقك.

تعليقات
إرسال تعليق