كثيراً ما نخلط في سعينا بين البحث عن السعادة وبين الحاجة إلى الطمأنينة، لكن القرآن يضعنا أمام مرتبة أعلى ومساحة أرحب تجمع بينهما، وهي: {الرِّضَا}.
لماذا الرضا وليس السعادة أو الطمأنينة؟
لنفكك هذا لغوياً ونفسياً:
"السعادة" غالباً ما تكون تفاعلاً شعورياً مؤقتاً يرتبط بمؤثر خارجي (إنجاز، مكسب، حدث مفرح)، وبمجرد زوال هذا المؤثر قد تتلاشى.
أما "الطمأنينة" فهي سكون القلب وهدوء العواصف بعد القلق.
لكن "الرِّضَا" هو المحرك الداخلي الفعال الذي يقف بينهما؛ هو ليس تفاعلاً مؤقتاً ولا سكوناً مجرداً، بل هو "قرار داخلي واعي" ومهارة من أعلى مهارات الذكاء العاطفي. الرضا ليس استسلاماً للواقع، بل هو القبول الإيجابي والذكي للمعطيات، والذي يولد لك سعادة مستدامة وطمأنينة لا تهتز.
في علم "بوصلة الوعي" والقيادة الذاتية، ندرك أن اللهث خلف السعادة المطلقة قد ينهك الإنسان ويجعله هشاً أمام المتغيرات. لكن تبني "عقلية الرضا" يمنحك المرونة الكافية لتحويل كافة التحديات إلى فرص للتعلم والارتقاء. الرضا يجعلك تنظر إلى التحدي كجزء من عملية النمو، مدركاً بيقين أن تدبير الله المولى القدير هو الخير المطلق الذي يصقل مهاراتك.
وهذا ما يجليه الهدي النبوي الشريف، الذي يربط بشكل عجيب بين هذه المرتبة وبين حاسة "التذوق" (استكمالاً لرحلتنا مع الحواس). قال النبي ﷺ: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً».
الرضا هنا يمنحك طعماً حلواً للتجربة الإنسانية، ويبني لقلبك وعقلك درعاً حصيناً يجعلك قادراً على التجدد ومواصلة السعي بفاعلية.
الرضا ليس محطة نرتاح فيها بعد انتهاء التحديات، بل هو العدسة الواعية التي نرى من خلالها التحديات كبوابات للنمو والارتقاء.
كيف يمكنني اليوم تفعيل عقلية الرضا لتكون محركي الداخلي نحو صناعة أثر مستدام وتجاوز التحديات بمرونة؟
✍️ شهاب بن أحمد الريامي | أنت تصنع فارقا
تعليقات
إرسال تعليق